آخر الأخبار
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نور الإسلام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نور الإسلام. إظهار كافة الرسائل

فتوى حول مسألة إخراج زكاة الفطر بالقيمة نقدا

جوابا عن سؤال ورد على الهيأة العلمية المكلفة بالإفتاء من الكتابة العامة للمجلس العلمي الأعلى بتاريخ 21 رمضان 1431هـ موافق فاتح شتنبر 2010م صدرت عن الهيأة العلمية المكلفة بالإفتاء لدى المجلس العلني الأعلى فتوى في مسألة إخراج زكاة الفطر بالقيمة نقدا. وفيما يلي نص الفتوى.

فتوى الهيأة العلمية المكلفة بالإفتاء في مسألة إخراج زكاة الفطر بالقيمة نقدا

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
»ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا«.
وبعد، فقد ورد على الكتابة العامة للمجلس العلمي الأعلى سؤال حول إخراج زكاة الفطر بالقيمة نقودا، وما إذا كان ذلك يجوز أم لا؟فأحالته على الهيأة  العلمية المكلفة بالإفتاء قصد دراسته وإبداء الرأي الفقهي بشأنه في ضوء النصوصالشرعيــة المتعلقـة بهذه الزكـاة، والمقاصد الحكيـمة المستفادة منها، فخلصت إلى ما يلي:

أولا: التأصيل الشرعي لزكاة الفطر وحكمتها في الإسلام.

شرع الإسلام زكاة الفطر عند اكتمال شهر رمضان، وجعلها شعيرة إسلامية ثابتة، وقربة دينية راسخة، وصدقة واجبة و طاعة يتقرب بها العبد المسلم إلى ربه ومولاه، يوم عيد الفطر، ضمن ما يتقرب به من صالح الأعمال، ويبادر إليه من خصال البر والتقوى والإحسان، وهي لذلك صدقة مجمع عليها من أئمة الشريعة وفقهائها الأعلام، ومعلومةٌ من الدين بالضرورة لدى عامة أمة الإسلام، رعاها الخلف عن السلف، وحافظ عليها جيلا بعد جيل.
وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم بسنته القولية والفعلية سائر الأحكام المتعلقة بها، فبين وقتها وحكمها، ومقدارها وحكمتها، وما تؤدى منه من أنواع الطعام وأقواته، ومن تجب عليه من أفراد أمته عليه الصلاة والسلام، كما تنص عليه الأحاديث الصحيحة الآتية:
  1. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: »فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة«.( أي صلاة العيد).    )متفق عليه(
  2. وعن أبي سعيد الخدرى رضي الله عنه قال: »كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام (بر وحنطة)، أو صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، أو صاعا من زبيب، أو صاعا من أقط«(لبن مجفف). (رواه مسلم)
  3. وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: »فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات«.(رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم، وصححه).
فهذه الأحاديث النبوية أصلت لمشروعية زكاة الفطر، وأبانت عَنْ جميع أحكامها في الإسلام.
وإخراجها بهذه الكيفية المنصوص عليها، وأداؤها على وفقها من حيث الوقت والمقدار، ونوع الطعام الذي تُخرج منه بالصاع كيلا، (وهو أربع حفنات باليد المتوسطة)، أو ما يعادله بالوزن، حوالي (2.500 كلغ) هو محل إِجزاء وكفاية بإجماع الأئمة والفقهاء، رحمهم الله جميعا.

ثانيا: مسألة إخراج زكاة الفطر بالقيمة نقودا

اختلف فيها الفقه على رأييْن، تبعا لاختلاف النظر إلى دلالة نصوص السنة على كيفية إِخراجها بالطعام كيْلاً، أو إلى الحِكمة من تَشريعها.

الرأي الأول

 يَرَى أنه يتعين أداؤها صاعا من أحد أنواع الطعام المذكورة في الأحاديث، أوغيرها مما يكون غالب قوت أهل البلد الذي يقطنه الصائم، أو قوت المزكي وأهله، أو ما يعادله وزنا، ولا يجوز عنده إخراجُهَا بالقيمة نُقُودًا.
وذلك لكونها في نظر هذا الرأي عبادة وقربة إلى الله تعالى، نص الشارع الحكيم على كيفية أدائها، وبيَّنها، وهي تنطوي على أسرار شرعية وفوائد اجتماعية ملحوظة، فيجب إخراجها على تلك الكيفية المشروعة، وهذا الرأي قال به جمهور الأئمة والفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، وهو المستفاد من نصوص مختلف كتب الفقه المالكي وأقوال علمائه.
فالحافظ ابن عبد البر يقول:  »صدقة الفطر واجبة على كل حر وعبد، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى من المسلمين. ومقدارها صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أربعة أمداد،“أي حفنات“ بمده عليه الصلاة والسلام «.
والعلامة ابن رشد الجد يقول: »اتفق جمهور أهل العلم على وجوب زكاة الفطر، وهي زكاة الرقاب زائدة إلى زكاة الأموال، فتجب على الغني والفقير إذا كان له مال يؤديها منه:  ومكيلة زكاة الفطر صاع من كل ما يؤدَّى منه .«

الرأي الثاني

 يرى جواز إخراجها بالقيمة نقدا، وهو رأي قال به بعض علماء التابعين ومن بعدهم؛ كعمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، وذلك نظرا منهم إلى المقصد الشرعي من  إيجابها على الكبير والصغير من المسلمين، وهو إغناء الفقراء والمساكين بها عن الطواف على الناس وسؤالهم ما يقتاتونه من طعام في ذلك اليوم، وإدخال السرور عليهم بها ، كما يدل له حديث: »أَغنوهم عن السؤال في هذا اليوم«.
وهو مقصد شرعي جلي، كما يتحقق بإخراجها صاعا من الطعام المقتات كيلا، أو ما يعادله وزنا، يتحقق- كذلك- في نظر أهل هذا الرأي، بإعطاء قيمتها نقودا، بل قد يكون في بعض الأوقات والأحوال أولى وأَفضل للمُتَصَدَّق عليه كما يراه البعض.
وفي هذا الصدد أوْردَ العلامة القرطبي المالكي عند تفسيره لآية مصارف الزكاة، وفي معرض استفادة جواز أخذ القيمة في زكاة الأموال من بعض الأحاديث عند من يقول بذلك، حديث: »أَغنوهم عن السؤال في هذا اليوم«يعني يوم الفطر، وذكر المراد منه، فقال: )وإنما أراد أن يغنوا بما يسد حاجتهم، فأَي شيء سد حاجتهم جاز، قال تعالى: »خذ من أموالهم صدقة«، فلم يخص شيئا من شيء(.إهـ
وممن رأى هذا الرأي الحافظ ابن أبي شيبة، حيث ترجم له في مصنفه بقوله:(باب إعطاء الدراهم في زكاة الدراهم في زكاة الفطر)، وذكر كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عامله على البصرة، حيث جاء فيه: "يؤخذ من أهل الديوان، من أعطياتهم، على كل إنسان نصف درهم". يعني زكاة الفطر.
وقال الشيخ العلامة أحمد الصاوي المالكي في حاشيته على الشرح الصغير لأقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك، للعلامة أبي البركات أحمد الدردير، عند قوله في أصناف الطعام التي تخرج منها زكاة الفطر: "فلا يجزئ الإخراج من غيرها ولا منها إن اقتيت غيره منها، إلا أن يكون الأحسن، كما لوغلب اقتيات الشعير فأخرج منها قمحا"، قال الصاوي هنا: "أي إذا لم يكن ذلك الغير عينا(أس نقدا أو نقودا)، وإلا فالأظهر الإجزاء، لأنه يسهل بالعين سد خلته في ذلك اليوم".
وممن ذكره أيضا وحكاه، العلامةعبد الوهاب  الشعراني في كتابه القيِم: “الميزان“ عند ترجمته لزكاة الفطر، حيث قال:»وأَما من جوز إخراج القيمة فوَجْهُه أن الفقراء يصِيرون بالخيار بين أن يشتري أحدهم حبا أو طعاما مهيأ للأكل من السوق، فهو مخفف من هذا الوجه على الأغنياء والفقراء «.
وهو رأْي مــال إليــه كــذلك بــعـضُ العلمــاء والفقهــاء المـعاصــريــن، من أهل المغرب وغيرهم.

خلاصة الرأي الفقهي في مسألة إخراج زكاة الفطر بالقيمة نقدا

من خلالِ ما تقدم من نصوص السنة النبوية في تشريع زكاة الفطر، وبيان أحكامها وحكمتها، ومن الآراء الفقهية حول مسألة إخراجها بالقيمة نقدا، فإِن الرأي الفقهي الذي انتهت إليه الهيأة في ضوء كل ذلك يتبلور فيما يلي:

أولا: الأصل في إخراج زكاة الفطر أن يكون بمكيلة الصاع (أربعة أمداد، أي حفنات) من أحد أنواع الأطعمة المقتاتة،

من حبوب الزرع أو الدقيق أو التمر، أو غيرها مما ذكر في الحديث، أو بما يعادل الصاع منها وزنا، وهو: حوالي (2.500 كلغ)، مما يقتاته ويعيش به غالب أهل البلد الذي يقطنه الصائم، أو يقتاته هو مع أهله حسب مستطاعه ومقدوره.
وذلك لكونها عبادة وقربة إلى الله تعالى، نص الشارع الحكيم على كيفية أدائها والقيام بها، مما يقتضي الحفاظ على شعيرتها بارزة وظاهرة في المجتمع، كما شرعت، فيحصل الجمع بين ما تدل عليه نصوص السنة من كيفية إخراجها، والحكمة الشرعية من إيجابها.
 وإخراجُها على هذا الأصل الذي شرعت عليه هو الواجب المطلوب والمتأكد أولاً، والأفضلُ، والأولى والأكمل، في حق كل من أمكنه ذلك وتيسر له، أخذا بالاعتبارات السالفة.

ثانياوفي المقام الثاني يأتي الرأي الذي يقول بجواز إخراجها بالقيمة نقدا

لمن رأَى ذلك أسهل عليه وأيسر له في أدائها، وأفيد وأنفع للآخذ المنتفع بها من فقير ومسكين، فيجوز له حينئذ إخراجها بالقيمة نقدا.
وذلك كحالِ من تعذر عليه إخراجها كما شُرعت من حبوب الزرع والدقيق والتمر ونحوها مما ذكر في الحديث لسبب ما، أو لوجوده في بلد غير وطنه الأصلي، ولا يوجد فيه من يستحقها من فقراء المسلمين وضعافهم، وكحال ما إذا اقتضى نظر ولي أمر الأمة وإمامها الأعظم إخراج قيمتها نقدا، لمصلحة وطنية تكافلية، أو قضية تضامنية إسلامية، فإنها تجوز باتفاق، لما تحققه بذلك من مصلحة عامة للوطن والدين.
إضافة إلى أَن هذا الرأي القائل بجواز إخراج زكاة الفطر بقيمتها النقدية، استنادا إلى حكمة مشروعيتها من إغناء الفقير والمسكين، واستنباطا من نصوص بعض الأحاديث الواردة في زكاة الأموال بصفة عامة، يدخل في باب الأخذ بمبدأ اليسر ورفع الحرج عن الناس في بعض الأمور والأحوال التي تقتضيه، باعتباره أصلا متأصلا في دين الإسلام وشريعته السمحة، بنص القرآن الكريم والسنة النبوية، وفيه يقول الله تعالى: »يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر«، ويقول سبحانه: »وما جعل عليكم في الدين من حرج«، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: »يسروا ولا تعسروا«.

 وعليه، فيجوز على هذا الرأي إخراجها بالقيمة نقدا.

 والله أعلم وأحكم، وهو سبحانه من وراء القصد، والهادي إلى كل رشاد وأقوم سبيل.

    كيف تكسب ليلة القدر؟

     كيف تكسب ليلة القدر؟

    Résultat de recherche d'images pour "‫كيف تكسب ليلة القدر؟‬‎"


    الحمد لله الذي فرض صيام هذا الشهر وسنَّ لنا قيامه، والصلاة على خيرة خلقه محمد صلى الله عليه وسلم والذي لم يترك خيراً إلا ودل أمته عليه، فروى عنه أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- أنه صلى الله عليه وسلم قال:"من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه"(1)وروي عنه أيضاً أنه قال:"من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه"(2)وإن من الحرمان أن نرى كثيراً من المسلمين يقضون هذه اللحظات والفرص النادرة فيما لا ينفعهم، فإذا جاء وقت القيام كانت أحوالهم ما بين:
    (أ) نائمون.
    (ب) يتسامرون ويقعون في غيبة إخوانهم المسلمين.
    (ج) يقضون أوقاتهم في المعاصي من مشاهدة القنوات الفضائية الهابطة، ومشاهدة الأفلام والمسلسلات الرمضانية – كما يسمونها- وحاشا رمضان أن يكون له أفلام، أو مسلسلات مع ما فيها من اختلاط النساء بالرجال، والموسيقى، وما هو أشنع من ذلك.

    لذلك لا بد من تجديد التوبة في هذا الشهر، فهذه فرصتنا للأسباب التالية:
    أ. لأن مردة الشياطين تصفد، كما روى أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- مرفوعاً "أتاكم رمضان شهر مبارك فرض الله عز وجل عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم"(3).
    ب. الإقبال النفسي على فعل الخيرات في هذا الشهر ما لا تستطيعه في الأشهر الأخرى.
    ج. أن الصوم في نهار رمضان يمنع من القيام بكثير من المعاصي.
    ولو كان أمام أعيننا أنه قد يكون آخر رمضان نصومه لسهلت علينا التوبة، فكم من شخص مات قبل أن يبلغه، أما نحن فقد بلغناه الله عز وجل فلندعوه أن يعيننا على صيامه وقيامه.
    مقارنة بين أعمارنا وأعمار الأمم السابقة:
    قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه:"أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك"(4).
    كان أعمار السابقين مئات السنين، فهذا نوح -عليه السلام- لبث في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وعن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال صلى الله عليه وسلم نحن الآخرون السابقون يوم القيامة".
    فكيف يكون لنا السبق، ونحن أقل أعماراً؟! يكون ذلك باستغلال الفرص والتسابق عليها كما يتسابق الناس على الوظائف، والتسجيل في الجامعات، وعلى التخفيضات أيضاً.
    ومن أعظم هذه الفرص، الحرص على ليالي العشر الأواخر من رمضان، فإن لم يكن، فعلى الأقل ليلة 21، 23، 25، 27، 29 لأن ليلة القدر لن تتعدى إحدى هذه الليالي كما قال صلى الله عليه وسلم:"تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان".
    إلا إذا كان هناك اختلاف بين دول العالم الإسلامي في دخول رمضان، فإن الأحوط العمل كل ليالي العشر.
    قال سبحانه وتعالى:"ليلة القدر خير من ألف شهر".
    منذ أن يؤذن المغرب إلى أن يؤذن الفجر في الغالب لا يتجاوز 12 ساعة.
    فكم سنة تعدل ليلة القدر؟ أكثر من ثلاث وثمانين سنة!! فلو حرصت كل الحرص على هذه الليلة فلا تفوتك، وذلك بقيام كل ليالي العشر الأخيرة، واستغلال كل ليلة منها كأحسن ما يكون الاستغلال كقدوتنا وحبيبنا محمد -صلى الله عليه وسلم- كما روت عنه عائشة رضي الله عنها:"أنه إذا دخل العشر شد المئزر وأحيا ليله وأيقظ أهله".
    ولنحسب عمر واحد منا حرص على القيام في ليالي الوتر لمدة عشر سنوات، إن هذا يساوي أكثر من 830 سنة بإذن الله، ولو عشت عشرين سنة بعد بلوغك، وكنت ممن يستغل كل ليالي العشر بالعبادة، لكان خير من 1660 سنة بإذن الله، وبهذا نحقق السبق يوم القيامة، وذلك باستغلال فرص لم تكن للأمم السابقة من اليهود والنصارى.
    لذلك منذ أن يدخل شهر رمضان ادع الله أن يعينك ويوفقك لقيام ليلة القدر، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول.

    ماذا تفعل في هذه الليلة؟
    - الاستعداد لها منذ الفجر، فبعد صلاة الفجر تحرص على أذكار الصباح كلها، ومن بينها احرص على قول:"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" مئة مرة، لماذا؟ لما رواه أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مئة مرة كان له عدل عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، ومحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك"(5).
    الشاهد: "كانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي" حتى لا يدخل عليك الشيطان فيصرفك عن الطاعة.
    - احرص على أن تفطر صائماً، إما بدعوته، أو بإرسال إفطاره، أو بدفع مال لتفطيره، وأنت بهذا العمل تكون حصلت على أجر صيام شهر رمضان مرتين لو فطرت كل يوم منذ أن يدخل الشهر إلى آخره صائماً لما رواه زيد بن خالد الجهني عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"من فطر صائماً كتب له مثل أجره لا ينقص من أجره شيء"(6).
    - عند غروب الشمس ادع أيضاً أن يعينك ويوفقك لقيام ليلة القدر.
    - جهز صدقتك لهذه الليلة من ليالي العشر، وليكن لك ادخار طوال السنة لتخريجه في هذه الليالي الفاضلة فلا تفوتك ليلة من ليالي الوتر إلا وتخرج صدقتها، فالريال إذا تقبله الله في ليلة القدر قد يساوي أكثر من ثلاثين ألف ريال، و 100 ريال تساوي أكثر من 300 ألف ريال وهكذا، وقد روى أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب، وإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه(7)، حتى تكون مثل الجبل"(8) وروى أبو هريرة أيضاً قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجراً؟ قال:" أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان"(9).
    فإن أخفيتها كان أعظم لأجرك فتدخل بإذن الله ضمن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، لما رواه أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله.. ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه" (10).
    - منذ أن تغرب الشمس احرص على القيام بالفرائض والسنن، فمثلاً منذ أن يؤذن ردد مع المؤذن ثم قل: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً، فمن قال ذلك غُفر له ذنبه كما روي عنه صلى الله عليه وسلم مرفوعاً(11) ثم قل: اللهم رب هذه الدعوة التامة... إلخ، لما رواه جابر بن عبد الله أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة"(12).
    - ثم بكر بالفطور احتساباً، وعند تقريبك لفطورك ليكن رطباً محتسباً أيضاً، ولا تنس الدعاء في هذه اللحظات، وليكن من ضمن دعائك: اللهم أعني ووفقني لقيام ليلة القدر، ثم توضأ وضوء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم بادر بالنافلة بين الأذان والإقامة؛ لما رواه أنس -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يبتدرون السواري حتى يخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم كذلك يصلون الركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء"(13). ثم صل صلاة مودع(14)كلها خشوع واطمئنان، ثم اذكر أذكار الصلاة، ثم صل السنة الراتبة، ثم اذكر أذكار المساء -إن لم تكن قلتها عصراً- ومنها "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" مئة مرة؛ لتكون في حرز من الشيطان ليلتك هذه حتى تصبح، كما سبق أن ذكرنا، ثم نوِّع في العبادة:
    - لا يفتر لسانك من دعائك بـ "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني".
    - إن كان لك والدان فبرهما وتقرب منهما، واقض حوائجهما وافطر معهما.
    - ثم بادر بالذهاب إلى المسجد قبل الأذان، لتصلي سنة دخول المسجد، ولتتهيأ بانقطاعك عن الدنيا ومشاغلها علك تخشع في صلاتك، ثم إذا أذن ردد معه وقل أذكار الأذان ثم صل النافلة، ثم اذكر الله حتى تقام الصلاة، أو اقرأ في المصحف، واعلم أنك ما دمت في انتظار الصلاة فأنت في صلاة كما روى ذلك أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:"إن أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، والملائكة تقول اللهم اغفر له وارحمه، ما لم يقم من صلاته أو يحدث"(15).
    - ثم إذا أقيمت الصلاة صل بخشوع، فكلما قرأ الإمام آية استشعر قراءته، وكن مع كلام ربك حتى ينصرف الإمام.
    - ثم عد إلى بيتك، ولا يكن هذا هو آخر العهد بالعبادة حتى صلاة القيام، بل ليكن في بيتك أوفر الحظ والنصيب من العبادة سواء بالصلاة أو بغيرها.
    - ولا تنس -قبل خروجك من المسجد- أن تضع صدقة هذه الليلة، وإذا كان يصعب عليك إخراج صدقة كل ليلة من هذه الليالي فمن الممكن أن تعطي كل صدقتك قبل رمضان أو قبل العشر الأواخر جهة خيرية توكلها بإخراج جزء منها كل ليلة من ليالي العشر.
    - ولا تنس وأنت في طريقك من وإلى المسجد أن يكون لسانك رطباً من ذكر الله، ولا تنس سيد الاستغفار هذه الليلة:"اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. قال صلى الله عليه وسلم:"من قاله فمات من يومه أو ليلته دخل الجنة"(16)، وما بين تهليل وتسبيح وتحميد وتكبير وحوقلة؛ لما رواه أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" استكثروا من الباقيات الصالحات، قيل وما هن يا رسول الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله"(17)وما بين صلاة على رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم- ثم الدعاء بخيري الدنيا والآخرة، فإذا دخلت بيتك تلمَّس حاجة من هم في البيت، سواء والداك أو زوجتك أو إخوانك أو أطفالك، فقم بخدمة الجميع بانشراح الصدر واحتساب واستغل القيام بحوائجهم بقراءة القرآن عن ظهر قلب، فقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن في الأجر، كما روى أبو الدرداء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟ قال:"وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال: قل هو الله أحد ثلث القرآن"(18). فإذا قرأتها ثلاث مرات حصلت على أجر قراءة القرآن كاملاً، ولكن ليس معنى هذا هجر القرآن، ولكن هذا له أوقات وهذا له أوقات، وقل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن في الأجر(19)، وآية الكرسي أعظم آية في كتاب الله، أخرجه سعيد بن منصور في سننه، كما قاله عبد الله موقوفاً، ثم قل:" لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" مئة مرة؛ ليكون لك عدل عشر رقاب، ولتكتب لك مئة حسنة، وتمحى عنك مئة سيئة، ولتكن حرزاً لك من الشيطان حتى تصبح ولم يأت بأفضل مما جئت به إلا أحد عمل أكثر من ذلك، واحرص على كل ما ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- من الأذكار ذات الأجور العظيمة، كما قال صلى الله عليه وسلم لعمه:"ألا أدلك على ما هو أكثر من ذكرك الله الليل مع النهار تقول: الحمد لله عدد ما خلق، الحمد لله ملء ما خلق، الحمد لله عدد ما في السموات والأرض، الحمد لله عدد ما أحصى كتابه، الحمد لله ملء ما أحصى كتابه، الحمد لله عدد كل شيء والحمد لله ملء كل شيء وتسبح مثلهن، ثم قال: تعلمهن وعلمهن عقبك من بعدك"(20) وقال صلى الله عليه وسلم:"من قال سبحان الله وبحمده مئة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر"(21)وعن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال -صلى الله عليه وسلم-: "من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مئة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه"(22)وفي بعض الروايات "سبحان الله العظيم وبحمده مئة مرة" (23)وكلما ذُكرت الكفارة أو الغفران – غفران الذنوب- وحط الخطايا، فالمقصود بها الصغائر، أما الكبائر فلا بد من التوبة، أما إن كانت هذه الكبيرة متعلقة بحقوق الآدميين فلا بد من الاستحلال مع التوبة أو المقاصة يوم القيامة؛ لما رواه أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه-:"من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه"(24)ولا يغرك في الغيبة ما يردده البعض أن كفارة من اغتبته أن تستغفر له، فهذا حديث أقل أحواله أنه شديد الضعف، وهو يعارض الحديث السابق الصحيح، ومن أعظم حقوق الآدميين: الغيبة والنميمة والسخرية، والاستهزاء والسب، والشتم وشهادة الزور، قال صلى الله عليه وسلم:"الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" (25).
    فإذا فرغت من خدمة الجميع والأعمال البدنية، ليكن لك جلسة مع كتاب ربك فتقرأه، وليكن لك قراءتان في شهر رمضان إحداهما سريعة "الحدر" والأخرى بتأمل مع التفسير إذا أشكل عليك آية، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه:"لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله.
    فإذا أنهك جسدك فألقه على السرير وأنت تذكر ربك بالتهليل والتسبيح والتحميد والحوقلة والتكبير والاستغفار والصلاة والسلام على رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.
    - فإن نمت فأنت مأجور -بإذن الله- ثم استيقظ لصلاة قيام الليل في المسجد، وليكن لك ساعة خلوة مع ربك ساعة السحر فتفكر في عظمة خالقك، ونعمه التي لا تحصى عليك مهما كنت فيه من حال أو شدة فأنت أحسن حالاً ممن هو أشد منك كما قال صلى الله عليه وسلم:"انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلا من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله"(26).
    - وتذكر هادم اللذات علها تدمع عينك فتكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله كما قال صلى الله عليه وسلم:"ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه.." (27).
    - وتذكر ما رواه جابر بن سمرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:"أتاني جبريل، فقال: يا محمد من أدرك شهر رمضان فمات فلم يغفر له فأدخل النار فأبعده الله، قل آمين. فقلت: آمين..." (28) الحديث. فهذه العشر هي والله الغنيمة الباردة، وفي هذا الشهر فرص ومواسم من لم يستغلها تذهب ولا ترجع..
    - أخيراً وقبيل الفجر لا بد من السحور ولو بماء، مع احتساب العمل بالسنة؛ لما رواه أنس رضي الله تعالى عنه، قال: قال صلى الله عليه وسلم:"تسحروا فإن في السحور بركة"(29) ثم تسوك وتوضأ واستعد لصلاة الفجر وأنت إما في ذكر أو دعاء أو قراءة قرآن.

    - ولا بد من التنبيه على بعض الأخطاء، ومنها:
    1- أن البعض قد يشيع في ليلة 23 أو 25 أن فلاناً رأى رؤياً، وأن تعبيرها أن ليلة القدر مثلاً ليلة 21 أو 23. فماذا يفعل البطالون؟ يتوقفون عن العمل باقي ليالي العشر، حتى أن البعض قد يكون في مكة فيعود، لماذا؟ انقضت ليلة القدر في نظره. وفي هذا من الأخطاء ما فيها، ومنها: أن هذا قد يكون حلماً وليس رؤياً. أن المعبر حتى وإن عبرها بأنها ليلة 21 أو 23 أو غيرها ليس بشرط أن يكون أصاب، فهذا أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- عبر رؤيا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً"(30) فإذا كان أبو بكر وهو خير الخلق بعد الأنبياء يصيب ويخطئ، فما بالك بغيره. والذي يظهر لي أن هذا من تلبيس إبليس، ليصد المؤمنين عن العمل باقي ليالي العشر. والله أعلم.
    وأخيراً.. الأيام معدودة، والعمر قصير، ولا تعلم متى يأتيك الأجل، ولا تدري لعلك لا تبلغ رمضان، وإن بلغته لعلك لا تكمله، وإن أكملته لعله يكون آخر رمضان في حياتنا.
    فهذا يخرج من بيته سليماً معافى فينعى إلى أهله، وهذا يلبس ملابسه ولا يدري هل سينزعها أم ستنزع منه؟
    لذلك كله علينا أن نستحضر هذه النعمة العظيمة أن بلغنا رمضان ووفقنا لصيامه وقيامه وصالح الأعمال، فكم من شخص مات قبل أن يبلغه، وكم من مريض مر عليه رمضان كغيره من الشهور، وكم من عاص لله ضال عن الطريق المستقيم ما ازداد في رمضان إلا بعداً وخساراً، وأنت يوفقك الله للصيام والقيام، فاحمد الله على هذه النعمة الجليلة، واستغلها أيما استغلال.
    -----------------------------------------------------------
    (1) أخرجه البخاري في صحيحه (ك صلاة التراويح ب 1 فضل ليلة القدر 2/709 ح (1910).
    (2) أخرجه البخاري في صحيحه (ك الإيمان ب 6 تطوع قيام رمضان من الإيمان 2/22 ح (37).
    (3) أخرجه النسائي في سننه الصغرى (ك الصيام ب فضل شهر رمضان ص 336 ح (2106).
    (4) أخرجه ابن حبان في صحيحه (ك الجنائز، فصل في أعمار هذه الأمة 7/246 ح (2980).
    (5) أخرجه البخاري في صحيحه (ك بدء الخلق ب 11 صفة إبليس وجنوده ص 266 ح (3293).
    (6) أخرجه ابن حبان في صحيحه (ك الصوم ب فضل الصوم، ذكر تفضيل الله جل وعلا بإعطاء المفطر المسلم مثل أجره 8/216 ح (3429).
    (7) فرسه.
    (8) أخرجه البخاري في صحيحه (ك الزكاة ب الصدقة من كسب طيب ص 111 ح (1410).
    (9) أخرجه البخاري في صحيحه (ك الزكاة ب 11 فضل صدقة الشحيح الصحيح ص 111 ح (1419).
    (10) أخرجه البخاري في صحيحه (ك الزكاة ب 16 الصدقة باليمين ص 112 ح (1423).
    (11) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (ك الصلاة ب 62 فضيلة الشهادة لله عز وجل بوحدانيته 1/220 ح (421).
    (12) أخرجه البخاري في صحيحه (ك الآذان ب الدعاء عند النداء 1/222 ح (589).
    (13) أخرجه البخاري في صحيحه (ك الأذان ب 14 كم بين الأذان والإقامة ومن ينتظر إقامة الصلاة ص 50 ح (625).
    (14) ذكره الألباني في صحيح الجامع الصغير 3/244 ح (3670) وعزاه لأبي محمد الإبراهيمي في كتاب الصلاة، ولابن النجار من رواية ابن عمر وحكم عليه بأنه حسن.
    (15) أخرجه البخاري في صحيحه (ك بدء الخلق باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه 3/1180 ح (3057).
    (16) أخرجه البخاري في صحيحه (ك الدعوات ب أفضل الاستغفار 5/2323 ح (5947).
    (17) أخرجه ابن حبان في صحيحه باب الأذكار، ذكر البيان بأن الكلمات التي ذكرناها مع البشرى من الحول والقوة إلا بالله مع الباقيات الصالحات 3/121 ح 840 .
    (18) أخرجه مسلم في صحيحه.
    (19) أخرجه الترمذي.
    (20) ذكره الألباني في صحيح الجامع الصغير ح (2612).
    (21) أخرجه مسلم في صحيحه ح (2691).
    (22) أخرجه مسلم في صحيحه ح (2692).
    (23) ذكره الألباني في صحيح الجامع الصغير ح (6301).
    (24) أخرجه البخاري في صحيحه ح (2449).
    (25) أخرجه مسلم في صحيحه ح (552).
    (26) أخرجه مسلم في صحيحه (7430).
    (27) أخرجه البخاري في صحيحه ح (660) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
    (28) ذكره الألباني في صحيح الجامع الصغير ح (75).
    (29) أخرجه البخاري في صحيحه ح (1923).
    (30) أخرجه البخاري في صحيحه ح (7046). 

    المصدر : الإسلام اليوم
     

    حدث في مثل هذا اليوم غزوة بدر

    غزوة بدر

    Résultat de recherche d'images pour "‫غزوة بدر‬‎"
    في ميدان المعركة
    إنها ساعة الصفر، الجيشان أمام بعضهما، وحينها قام رجل من المشركين اسمه الأسود بن عبد الأسد المخزومي، وأقسم أن يشرب من حوض المسلمين أو ليموتَنَّ دونه.
    انظر كيف يمكن أن يكون حجم الضلال، كفاح وتضحية واستعداد للموت من أجل قضية فاسدة {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا[فاطر: 8].
    وقام الرجل ليبرَّ بقسمه، لكن قابله الأسد حمزة بن عبد المطلب وضربه ضربة قطعت ساقه، ومع ذلك -سبحان الله- فقد كان الرجل مصرًّا على الوفاء بقسمه، وزحف على الأرض ليصل إلى ماء بدر، لكن حمزة أدركه وقتله قبل أن يصل إلى مراده.
    كانت هذه نقطة مهمة جدًّا لصالح المسلمين، وليس المهم مَن هذا الشخص الذي قتل، ولكن المهم أن هذا حدث في أول دقيقة من المعركة، فكان هذا توفيقًا كبيرًا من رب العالمين، رفع معنويات المسلمين، وأحبط معنويات الكافرين.
    المبارزة قبل المعركة
    تحرك الغيظ في قلوب زعماء الكفر.
    فنهض ثلاثة من الزعماء بأنفسهم يطلبون المبارزة مع ثلاثة من المسلمين، وكانت هذه عادة في الحروب القديمة، أن يتبارز أفراد قلائل كنوع من الاستعراض، ثم يبدأ الهجوم العام الشامل بعد ذلك.
    من الذي قام من الكفار؟ أمر عجيب.
    لقد قام ثلاثة من عائلة واحدة!
    قام عتبة بن ربيعة القائد القرشي الكبير، وقام أخوه شيبة بن ربيعة القائد القرشي الكبير أيضًا، وقام ابن أخيه الوليد بن عتبة أحد فرسان قريش المشهورين.
    هذه مجموعة من أفضل فرسان مكة.
    لكن العجيب الذي يلفت النظر هو قيام عتبة بن ربيعة.
    عتبة بن ربيعة كان من الحكماء المعدودين في قريش، وكان من أصحاب الرأي السديد في أمور كثيرة، وكان يدعو قريشًا أن تخلي بين رسول الله  وبين العرب، ولا يقاتلوه، وكان يقول إن هذا الرجل ليس بشاعر ولا كاهن ولا ساحر ولا بكاذب، وكان يرفض فكرة القتال في بدر بعد إفلات القافلة، وكان إلى آخر لحظة يجادل المشركين في قضية القتال، لدرجة أن الرسول  نظر إليه من بعيد قبل بدء المعركة، وكان عتبة يركب جملاً أحمر، فقال  لأصحابه: "إِنْ يَكُنْ فِي أَحَدٍ مِنَ الْقَوْمِ خَيْرٌ، فَعِنْدَ صَاحِبِ الْجَمَلِ الأَحْمَرِ، إِنْ يُطِيعُوهُ يَرْشُدُوا"[1].
    لكن القوم لم يطيعوه، وأصرُّوا على القتال.
    وللأسف الشديد! دخل عتبة معهم المعركة ولم يرجع كالأخنس بن شريق. وللعجب الشديد، خرج في أول من خرج للمبارزة والقتال.
    لقد كان عتبة بن ربيعة مصابًا بمرض الإمَّعِيَّة.
    حكيم في الرأي، ولكن يسير مع الناس، إذا أحسنوا أحسن، وإذا أساءوا أساء، ضعيف الشخصية، مهزوز، متردد.
    وهذا الذي أَرْداه فأصبح من الخاسرين. وهذا النموذج نراه كثيرًا: أشخاص ذوو رأي سديد، تُعقد عليهم الآمال في تغيير مَن حولهم، ولكنهم يخيبون تلك الآمال، ويسيرون مع التيار؛ فيهلكون.
    خرج الفرسان الثلاثة يطلبون القتال، فخرج لهم ثلاثة من شباب الأنصار.
    لكن الفرسان المشركين قالوا: لا حاجة لنا بكم، إنما نريد أبناء عمِّنا.
    نريد قتالاً قرشيًّا قرشيًّا.
    فقال رسول الله :
    قم يا عبيدة بن الحارث (عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ابن عمه).
    قم يا حمزة (عمه).
    قم يا علي بن أبي طالب (ابن عمه).
    وانتبهوا لهذا الاختيار، كلهم من الأقربين، مع أن القتال خطير، لكن القائد وعائلته يعيشون حياة الناس تمامًا، ويتعرضون لكل مشاكل الأمة، وفي أوائل المضحين والمجاهدين.
    وبدأت المبارزة!
    يوجد اختلاف في الروايات حول مَن بارز مَن؟ لكن رواية أحمد وأبي داود تقول: إن علي بن أبي طالب بارز شيبة، وإن حمزة بارز عتبة، وإن عبيدة بن الحارث بارز الوليد بن عتبة[2].
    والتقت السيوف، واحتدم الصراع، وارتفعت الآهات، ثم بدأت الدماء تسيل بل تتساقط الأشلاء.
    دقائق معدودة وانتهت الجولة الأولى من الصراع، ومرة ثانية لصالح المسلمين.
    الله أكبر، ولله الحمد!
    علي بن أبي طالب قتل شيبة.
    وحمزة بن عبد المطلب قتل عتبة، لم تنفع عتبةَ حكمتُه.
    وأصيب عبيدة والوليد بإصابات بالغة، فانطلق عليٌّ وحمزة على الوليد بن عتبة فقتلاه، وحملا عبيدة إلى معسكر المسلمين.
    في أول وقود للمعركة أربعة قتلى للمشركين.
    واشتعلت أرض بدر بالقتال.
    هجوم شامل كاسح في كل المواقع.
    صيحات المسلمين ترتفع بشعارهم في ذلك اليوم: أَحَدٌ أَحَد.
    صليل السيوف في كل مكان، والغبار غطَّى كل شيء.
    الصدام المروع الذي يحدث للمرة الأولى بين المسلمين والكافرين.
    التربية بالجنة
    ومع كل الحماسة التي كان المسلمون فيها إلا أنهم ما زالوا في حاجة للتشجيع والتحفيز أكثر وأكثر؛ لأن الموقف صعب، بل غاية في الصعوبة، هنا يأتي دور التحفيز بشيء، ليس هناك مؤمن واعٍ فاهم يكسل أو يتعب عندما يسمعه.
    جاء وقت التذكير بالجنة.
    رفع رسول الله  صوته ليُسمِع الجميع: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يُقَاتِلُهُمُ الْيَوْمَ رَجُلٌ، فَيُقْتَلُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلاً غَيْرَ مُدْبِرٍ إَلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ"[3].
    الكلام عجيب، هذا الكلام لا يمكن أن يفهمه علماني، ولا يمكن أن يفهمه كافر أو فاسق.
    الكلام عجيب؛ لأن الرسول  لم يحفز الناس على الدفاع عن حياتهم، بل حفزهم على فَقْد حياتهم.
    يا الله! انتبه لهذا القول: "لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا".
    من كان يعيش لدنيا، وقُتِل فَقَدَ كل شيء.
    لكن من كان فاهمًا لمعنى الجنة سيكون للقتل عنده معنى آخر، ولكن الجنة ليست على الأرض.
    الجنة تأتي بعد الموت، يعني الموت هو الحاجز الوحيد بين الشهيد الذي يقتل في أرض القتال، وبين الجنة.
    الموت هو الحاجز الوحيد لو عبرناه دخلنا الجنة.
    الشهيد يدخل الجنة بغير حساب.
    فلو جاء الموت صِرْنا من أهل الجنة. إذن يا ليت الموت يأتي.
    سبحان الله!
    الموت المكروه عند عامَّة البشر، يصبح أمنية بل أسمى الأماني لمن فَقِه حقيقة الجنة.
    - "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ". رواه البخاري عن أبي هريرة.
    - وروى البخاري ومسلم عن أنس  قال: قال رسول الله : "لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ أَوْ مَوْضِعُ قَدِّهِ (سوطه) فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَمَلأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا (ما بين السماء والأرض أو ما بين المشرق والمغرب)، وَلَنَصِيفُهَا (خمارها) عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".
    لا يمكن للإنسان أن يكون عنده يقين في هذا الكلام؛ ثم لا يشتاق إليه.
    لذلك فالجيش المنصور جيش يحب الموت فعلاً.
    كلمة خالد بن الوليد المشهورة التي ذكَّرناكم بها قبل ذلك: "جئتكم برجال يحبون الموت، كما تحبون أنتم الحياة".
    وعندما تكلم الرسول عن الأمة المهزومة ذكر من صفاتها الوَهْن.
    فسُئل: وما الوهن؟
    فقال: "حبُّ الدنيا، وكراهيةُ الموت"[4].
    فلو وُجِد هذا في نفوس الأمة هُزِمَت، ولو أحبت الأمة الموت وُهِبَت النصر، ووهبت الجنة.
    إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الراحل كان يقول تعليقًا على اتهام اليهود له بعدم القدرة على السيطرة على حماس والجهاد؛ قال: أتحدى أيَّ جهاز مخابرات في العالم يقاوم أُناسًا يريدون أن يموتوا.
    كلام في منتهى الدقة.
    حقًّا من المستحيل أن تقاتل إنسانًا يريد أن يموت.
    بم ستخيفه؟ هل ستقول له: سأقتلك؟
    هذا هو ما يريده. بل هو خائف ألا يموت.
    هل منا من يريد أن يموت؟!
    يتمنى الموت؟!
    يبحث عن الموت؟!
    هل منا أحد جاهز للموت؟!
    كتب وصيته؟!
    يفكر في يوم يموت فيه في سبيل الله؟!
    لو أنك لا تتمناها ولا تبحث عنها، فأنت لا تعرف الجنة.
    هذا الكلام ليس كئيبًا، ولا حزينًا.
    الكئيب فعلاً أن تقف يوم القيامة تنتظر الحساب يومًا واثنين، وسنة واثنتين، وأنت ترى الشهداء حولك يُسرِعون إلى الجنة من غير حساب.
    ولا تقل: أين الجهاد؟ وأين القتال؟
    المسألة مسألة صدق، ومسألة نيَّة.
    تريد أم لا تريد؟
    لو أردت ستنال الأجر، وتدخل الجنة وإن متَّ على فراشك.
    "مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ"[5].
    ولو لم تُرِدْ فلن تنال أجر الشهادة، حتى لو فُتِحَ لك ألف باب للجهاد.
    المسألة إنما هي صدق النية مع الله تعالى.
    من مواقف الصحابة في بدر
    موقف عمير بن الحمام في بدر
    انظروا، ماذا فعلت الجنة في الصحابة في بدر.
    عمير بن الحمام  يقف بجانب الرسول ، والرسول  يقول: "قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَواتُ وَالأَرْضُ".
    كم مرة سمعنا هذه الكلمات؟
    كثيرًا.
    كم مرة عملنا لها؟
    قليلاً.
    عمير بن الحمام سمع هذه الكلمة، فقال متعجبًا: عرضها السموات والأرض!!
    الإنسان منا يكافح سنين طوالاً لكي يصبح عنده شقة، أو سيارة، أو بعض الأموال، أو بعض السلطات.
    كل هذا لا يمثل واحدًا على مليون مليون من الأرض.
    فكيف بالجنة التي عرضها السموات والأرض؟! ما شكلها؟!
    عمير يتعجب: عرضها السموات والأرض!
    قال : "نَعَمْ".
    سبحان الله! هكذا في منتهى الإيجاز.
    لا شرح ولا تفصيل.
    وعمير بن الحمام  يتلقى بمنتهى اليقين، لا جدال، لا محاورة.
    قال عمير: بَخٍ بَخٍ (كلمة للتعجب).
    قال له : "مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ؟"
    ممَّ تتعجب؟ أتشك في هذا الكلام؟
    أسرع عمير يقول: لا والله يا رسول الله، ما قلتها إلا رجاء أن أكون من أهلها.
    قال : "فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا".
    يا الله!
    عمير يعلم أنه من أهل الجنة، وهو ما زال يمشي على الأرض، أرض بدر.
    بينه وبين الجنة فقط أن يموت.
    لم يعُدْ قادرًا أن يعيش لحظة واحدة على الأرض.
    كان يمسك بيديه بعض تمرات يتقوَّى بها على القتال.
    وبعدها فكَّر.
    أيُّ تمرٍ هذا الذي أريد أن آكله؟!
    أين ثمار الجنة، وطيور الجنة، وشراب الجنة، وحوض الرسول  في الجنة؟
    فألقى بالتمرات على الأرض، وقال كلمة عجيبة؛ قال:" لئن أنا حييتُ حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة"[6].
    أَكْلُ التمرات حياة طويلة!!
    هل سأنتظر ثلاث أو أربع دقائق آكل فيها التمر؟ هذا كثير.
    ألقى بنفسه وسط الجموع الكافرة.
    استشهد، دخل الجنة، هو -يقينًا- في الجنة.
    أليس هذا كلام الرسول  "لاَ يُقَاتِلُهُمُ الْيَوْمَ رَجُلٌ؛ فَيُقْتَلُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلاً غَيْرَ مُدْبِرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ"؟!
    ثم إنه قالها تصريحًا لعمير بن الحمام، قال: "فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا".
    أهل الدنيا، طلاب الدنيا يظنون أن عميرًا خسر، مات في عزِّ شبابه كما يقولون، لم يستمتع بحياته، لكن المقاييس الصحيحة ليست هكذا
    روى الترمذي -وقال: حسن صحيح- عنكعب بن مالك قال: قال رسول الله :
    "إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَعْلَقُ[7] مِنْ ثَمَرِ الْجَنَّةِ"[8].
    موقف عمير بن أبي وقاص
    - عمير بن أبي وقاص شاب لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، في تعريف منظمة الصحة العالمية طفل (الأطفال في تعريفهم أقل من 18 سنة).
    وفي تعريف القيم والأخلاق والمبادئ والعقائد من سادة الرجال.
    تقدم وهو في هذه السن الصغيرة؛ ليجاهد مع المجاهدين في بدر، لكنه كان خائفًا.
    من أيِّ شيء كان خائفًا؟ هل يخاف أن يموت؟ لا، بل يخاف ألا يموت.
    يخاف أن يرده الرسول ؛ لأنه ما زال صغيرًا.
    أخذ يتوارى بين القوم حتى لا يراه الرسول  فيرده.
    رآه أخوه المجاهد العظيم سعد بن أبي وقاص .
    فقال له: ما يحملك على هذا؟
    قال: أخاف أن يراني رسول الله  فيستصغرني ويردني، وأنا أحب الخروج؛ لعل الله أن يرزقني الشهادة.
    رآه الرسول ، فأشفق عليه من القتال، وردَّه.
    بكى عمير ؛ فستضيع عليه فرصة الموت في سبيل الله.
    ولكن رقَّ له رسول الله ، وسمح له بالجهاد[9].
    جاهد، اشتاق بصدق للشهادة، استشهد، دخل الجنة.
    فَهِم عمير بن أبي وقاص وهو لم يُكَلَّفْ إلا منذ سنتين أو ثلاث، وهو لم يبلغ السادسة عشرة من عمره، ما يعجز عن فهمه أشياخ وحكماء وعباقرة.
    الجنة!
    منهج تربوي إصلاحي واقعي، لا يرقى إليه أيّ منهج من مناهج الدنيا.
    موقف عوف بن الحارث
    - عوف بن الحارث  سأل رسول الله : يا رسول الله، ما يُضحك الرب من عبده؟ قال: "غَمْسُهُ يَدَهُ فِي الْعَدُوِّ حَاسِرًا"[10].
    هنا ألقى عوف درعه وقاتل حاسرًا.
    هذا الفعل يلقي الرعب في قلوب العدو؛ لأنه يعبر عن إنسان لا يهاب الموت بل يطلبه.
    قاتل عوف وقاتل وقاتل، حتى قُتِل، اُسْتُشهد، دخل الجنة.
    موضوع الجنة لم يغب أبدًا عن أذهان الصحابة ؛ لذلك انتصروا.
    من قبل أن يأتي الجيش بدرًا وهو يبحث عن الجنة.
    وفي أرض بدر يبحث عن الجنة.
    وبعد بدر يسأل عن الجنة.
    موقف سعد بن خيثمة وأبوه خيثمة
    - قبل الخروج إلى بدر سعد بن خيثمة وأبوه خيثمة.
    الاثنان يريدان أن يخرجا للجهاد في بدر، لكن عندهما بنات كثيرات، ولا بد أن يخرج أحدهما، بينما يبقى الآخر ليرعى البنات.
    الاثنان يريدان أن يخرجا، الاثنان طالبان للجنة بصدق، لم يرضَ أحدهما بالتنازل، فقررا إجراء قرعة، فخرج سهم الابن سعد بن خيثمة، تحسَّر أبوه، تحسر حسرة حقيقية، فقال لابنه برجاء: يا بُنيَّ، آثرني اليوم. دعني أخرج، فَضّلني على نفسك، أنا أبوك؛ لكن سعدًا  ردَّ بجواب يفسر قصة الجيش المنصور، قال في أدب: يا أبتِ، لو كان غير الجنة فعلت[11].
    أيُّ شيء في الدنيا يمكن أن أتنازل عنه لك، إلا الجنة.
    وإلا فلماذا أحيا أنا في هذه الدنيا، لو لم يكن للحصول على الجنة؟
    لا يمكن أن أضيع هذه الفرصة.
    وخرج سعد بن خيثمة بهذه الروح، وهذا الصدق.
    وقاتل سعد بن خيثمة، واستشهد، ودخل الجنة التي يريد.
    اللطيف والجميل أن خيثمة أبوه، خرج في (غزوة أُحُد) بعد بدر بسنة، واستشهد أيضًا، أترون الصدق؟
    وحتى بعد بدر، كل الناس يسألون عن الجنة.
    الشعب كله طالبٌ الجنة.
    موقف أم حارث بن سراقة
    - أم حارثة بن سراقة استشهد ابنها حارثة في بدر، شاب صغير مات مقتولاً في مثل هذا الموقف، تطيش عقول، وتضطرب أفئدة، ويتزلزل رجال ونساء.
    لكن أم حارثة جاءت تسأل عن شيءٍ محدَّد.
    يا رسول الله، قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى تَرَ ما أصنع.
    أهمُّ أمرٍ بعد الموت: جنة أم نار؟ هذا هو المفروض أن يشغلنا.
    فقال لها رسول الله :
    "يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى"[12].
    الله أكبر! لماذا؟ لأنه مات صابرًا محتسبًا مقبلاً غير مدبر.
    استراحت أم حارثة، تقبلت أمر موت ابنها الشاب ببساطة وبصبر وباحتساب، بل بسعادة؛ لأن من يحب أحدًا يحب له الخير. ولا خير أحسن من الجنة.
    هؤلاء هم أهل بدر، صفاتهم الجميلة كثيرة، لكن أهمها أنهم جيش مؤمن فعلاً، مؤمن بالله، ومؤمن بالرسول ، ومؤمن بالجنة، ومن غير الإيمان مستحيل أن يكون هناك نصر.
    حب الجنة منهج تربوي
    صورة لحديقة معبر عن الجنة ومكتوب "حب الجنة منهج تربوي"
    هذا الكلام لا نقوله كنوع من الترف الفكري، أو القصص التاريخي الذي ليس له واقع في حياة الناس.
    هذا الكلام نريد أن يصبح منهج حياتنا، منهج تربية الأطفال والرجال والنساء، منهج تربية الشعب كله.
    وبدونه لا توجد فرصة إصلاح.
    دعكم من مناهج الشرق والغرب، ومناهج الإصلاح الوهمية المبنية في الأساس على طلب الدنيا وبأيِّ وسيلة.
    هذه المناهج لا تُورِث إلا كآبةً وتعاسةً في الدنيا، وشقاءً وذلاًّ في الآخرة.
    إياكم أن تظنوا أن الغرب والشرق من أصحاب المال والسلطة والجاه والملك يعيشون في سعادة.
    أبدًا!!
    فمَنْ يفقد منهم ماله ينتحر.
    من يمت له ابن أو حبيب يكتئب، وينعزل عن المجتمع.
    من يتعرض لمصيبة تصبح نهاية العالم بالنسبة له. من وجد نفسه فقيرًا، أو من عائلة صغيرة، أو في وضعٍ اجتماعي متدنٍّ، فإنه يعيش معقَّدًا حاقدًا على المجتمع، حاسدًا لكل الأغنياء، ومن الممكن أن يصير سارقًا أو قاتلاً أو مرتشيًا أو فاسدًا، ويعيش حياة الإجرام.
    روى الحاكم عن أنسٍ أن رجلاً أسود أتى النبي ، فقال: يا رسول الله، إني رجل أسود، منتن الريح، قبيح الوجه، لا مال لي، فإن أنا قاتلت هؤلاء حتى أقتل، فأين أنا؟ قال: "فِي الْجَنَّةِ". فقاتل الرجل حتى قُتِل، فأتاه النبي  فقال: "قَدْ بَيَّضَ اللَّهُ وَجْهَكَ، وَطَيَّبَ رِيحُكَ، وَأَكْثَرَ مَالَكَ". قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم[13].
    أقلُّ أهل الجنة ملكًا له عشرة أمثال الدنيا، إذن لا مقارنة بين نعيم الجنة ومتاع الدنيا كلها.
    الجنة فيها سلوى وتعويض لكل مؤمن فَقَدَ شيئًا من الدنيا.
    الجنة فيها جزاء لكل من تعب، أو سهر، أو بذل مجهودًا في الإصلاح.
    الجنة صبرَّت أم حارثة.
    الجنة شجَّعت عمير بن الحمام، وعمير بن أبي وقاص، وسعد بن خيثمة، وحارثة بن سراقة. الجنة جعلت الحباب بن المنذر يقول رأيه لكي يفيد المسلمين.
    الجنة جعلت المكروه محبوبًا، جعلت الموتَ مطلوبًا.
    انظر ماذا قال الرسول  لأصحابه ولنا:
    "أَلاَ مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ؟ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لاَ خَطَرَ لَهَا (أي: لا مثل لها)، هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، نُورٌ يَتَلأْلأُ، وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ، وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ، فِي مَقَامٍ أَبَدًا، فِي حَبْرَةٍ ونَضْرَةٍ، فِي دُورٍ عَالِيَةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيَّةٍ".
    الصحابة  لم يعودوا قادرين على الصبر على فراق الجنة.
    قالو: يا رسول الله، نحن المشمرون لها.
    قال: "قُولُوا إِنْ شَاءَ اللَّهُ".
    ثم يقول الراوي أسامة بن زيد رضي الله عنهما: ثم ذكر الجهاد وحضَّ عليه[14].
    إذن أعطاهم الرسول  شيئًا عمليًّا يدخلون به الجنة. والحديث في صحيح ابن حبان وسنن ابن ماجه.
    يوم تملأ الجنة علينا حياتنا بهذه الصورة.
    يوم تصبح الجنة هدفًا واضحًا في تفكيرنا.
    يوم تصبح الجنة في عقلنا عندما نأخذ قرارًا، أو نعمل عملاً، أو نقول كلمة، أو نضحك ضحكة، أو نسافر أو نقعد، أو نحب أو نكره.
    يوم تصبح الجنة محرِّكًا لكل حياتنا.
    ساعتها سنرى نصرًا كنصر بدر.
    وساعتها سنرى تمكينًا وعزة وسيادة، كما حدث بعد بدر.
    ونسأل الله أن يفقهنا في سننه.

    [1] الهيثمي: مجمع الزوائد، تحقيق عبد الله الدرويش، دار الفكر، بيروت، 1994م، 6/99، رقم الحديث (9954). قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله ثقات.
    [2]
     رواه أبو داود (2665)، وأحمد (948)، وصححه الألباني.
    [3]
     ابن هشام: السيرة النبوية، القسم الأول (الجزء الأول والثاني) ص627.
    [4]
     رواه أبو داود (4297)، وأحمد (22450)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (958).
    [5]
     مسلم: كتاب الإمارة، باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى (1909) ترقيم عبد الباقي، والنسائي (3162) ترقيم أبي غدة، وابن ماجه (2797) ترقيم عبد الباقي. قال الشيخ الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (6276) في صحيح الجامع.
    [6]
     مسلم: كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد (1901)، وأحمد (12421). قال الشيخ الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (4426) في صحيح الجامع.[7] تعلق: ترعى.
    [8]
     رواه الترمذي (1641). قال الشيخ الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (1559) في صحيح الجامع.
    [9]
     الواقدي: المغازي، تحقيق مارسدن جونس، عالم الكتب، بيروت، 1/21.
    [10]
     ابن كثير: السيرة النبوية، تحقيق مصطفى عبد الواحد، دار المعرفة، بيروت، 1971م، 2/410.
    [11]
     الحاكم: المستدرك على الصحيحين، تحقيق مصطفى عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1990م، 3/209، رقم الحديث (4866). وعلق عليه الذهبي في التلخيص فقال: مرسل وإسناده ضعيف.
    [12]
     البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب من أتاه سهم غرب فقتله (2654) ترقيم البغا، والترمذي (3174) ترقيم أحمد شاكر، وأحمد (13767).
    [13]
     الحاكم النيسابوري: المستدرك على الصحيحين، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1990م، 2/ 103، رقم الحديث (2463).
    [14]
     رواه ابن ماجه (4332) ترقيم عبد الباقي، وابن حبان في صحيحه (7381) ترقيم شعيب الأرناءوط.


     
    جميع الحقوق محفوظة © 2015 educmaroc

    تعريب مداد الجليد